إن
جملة شهيرة لأسد المنابر، الشيخ "عبد الحميد كشك" ، رحمة الله عليه ،يقول
فيها : إن تسعة أعشار الظلم في مصر ، والعشر الأخير يجوب العالم نهارا
ويبيت ليلته في مصر ، تنطبق كثيرا على تلك القصة التي بين أيدينا!
هي مأساة ، قل أن تجد لها مثيلا في أي من دول العالم قاطبة ، إنها قصة أقدم سجين سياسي في مصر والعالم العربي "نبيل المغربي"
كان
من أوائل الإسلاميين الذين اعتقلهم السادات، حيث اعتقل مع تطبيق الجهاز
الامني للرئيس السادات، بقياده النبوي إسماعيل، حمله اعتقالات سبتمبر
الشهيره1979
إلا
أن العجيب انه تم ضم اسمه بعد ذلك لقائمة المتهمين في القضيه رقم 462 لسنه
1981 حصر امن دوله عليا المعروفه باسم قضيه تنظيم الجهاد، وتم الحكم عليه
بالسجن المؤبد 25 عامًا وكان اساسا داخل السجن منذ عامين ، ثم حكم عليه مرة
أخرى بالسجن ثلاث سنوات إضافية في قضية الهروب الكبير التي قام بها عصام
القمري ومحمد الأسواني رغم عدم مشاركته في الهروب.
ثم حكم عليه للمرة الثالثة بالسجن 25 سنة إضافية بتهمة التخطيط ضد نظام الحكم وهو داخل السجن.
وقد
تم الإفراج عنه في 6 يونيو 2011 أي في عهد المجلس العسكري وبقرار من
المشير طنطاوي،في عفو صحي،بعد قضائه ما يقرب من 33 عاما في السجون المصرية،
وقد أسقط النائب العام وقتها "عبد المجيد محمود" الاحكام التى صدرت ضده
بمجموع 53 سنة، وكان يبلغ من العمر 70 عاما و يعانى من أمراض الكبد والكلى
والسكر والضغط وهشاشة العظام وضعف السمع والبصر.
إلا
أن قصة المغربي لا تتوقف عند كونه إسلاميا سجنه السادات وظلمه مبارك وتفنن
في تعذيبه ،حتى ضاع نصف عمره في غياهب السجون ، بل إن قصته من أعجب القصص
على الإطلاق، وهي مثال فج لفساد الحكم العسكري المصري على مر العصور ،من
السادات لمبارك للسيسي ومن قبلهم المؤسس الاول لحكم العسكر الطاغية "جمال
عبد الناصر".
●من الطالب المثالي بكلية الالسن لضابط المخابرات النابه
كان
المغربي طالبا متفوقا منذ نعومة أظافره ، تخرج عام 1973 في كليه الالسن
قسم اسباني، كما كان يجيد 3لغات اخري بخلاف الاسبانيه، تزوج عقب تخرجه من
السيده عزيزه عباس، شقيقه حسين عباس الذي نفذ عمليه اغتيال السادات والذي
امطره في العرض العسكري بعده رصاصات منهم الرصاصه التي اخترقت الرقبه فاودت
بحياته علي الفور.
وقبل ان يدخل السجن انجب 4 ابناء لم يرهم الا بعدما بلغ عمر اكبرهم 12 عامًا.
●وعن تلك المرحلة في حياته يقول في احد الحوارات الصحفية معه:
انا
كنت مثل اي شاب طموح مكافح في الحياة اسعي الي تحقيق ذاتي واحمد الله علي
ذلك فقد حصلت علي لقب الطالب المثالي في الكلية وحصلت علي بكالوريوس اللغات
وترجمة فورية لغة اولي اسبانية ولغة ثانية فرنسية اضافة الي اللغة
الانجليزية وكنت اجيد الثلاث لغات.
●وبسؤاله عن عمله في المخابرات قال :
لك
ان تعلم ان خريجي اللغة الاسبانية كانوا ممنوعين من الهجرة لانهم قليلون
جدا وكانت اللغة الاسبانية هي اللغة الثانية في العالم بعد الانجليزية
ويليها الفرنسية وبها تتعامل الامم المتحدة كلغة ثانية، وفي تلك الفترة
كانت المخابرات تستدعي كل من هو متفوق في مجاله فتختار منهم ذوي الكفاءات
العالية، والحمد لله تم اختياري ضمن صفوف المخابرات. لكن المخابرات وقتها
قالت لن نستطيع اعفاءك من فترة التجنيد فالتحقت بالجيش كضابط احتياطي في
المخابرات الحربية ايضا لسد العجز الذي حدث بعد حرب 73 وتعويض خسائر القتال
، بعد أن تم إجراء بعض الاختبارات كنت فيها اول الدفعة وتم الحاقي مع
أربعة آخرين كنت انا اولهم بمكتب ضباط الشفرة وكان هذا المكتب يعد اعلي
درجة في المخابرات ومديره كان أعلى درجة من الرئيس السابق مبارك وقت ان كان
قائد القوات الجوية .
وظللت
فترة في هذا المكان الي ان بدات تحدث بعض الخلافات بيني وبين طارق زعتر
زوج شقيقة الرئيس السادات الذي جاء الي هذا المكان بالواسطة اما انا فجئت
اليه بمجهودي و كفاءتي .
حيث
بدأت أقول رأيي في السادات معتقدا بأنه عميل و خائن فحدث نوع من الاحتكاك
بيننا،.وساعد في الأمر إنه كانت لي ميول اسلامية حتي اني عندما التحقت
بالجيش ذهبت اليهم و انا ملتح ولم تكن اللحية و قتها عائقا من دخول الجيش
أو المخابرات مثل اليوم ، وبعد خروجي من المخابرات عملت في ثلاث جهات مدنية
وهي وزارة الثقافة ثم وزارة الشباب ثم دار الاعتصام وكانت وقتها اكبر دار
للطبع و النشر وكنت اعمل مترجما فيها.
●وعن إعتقاله في عام 1979 يقول :
كنت
ثائرا مثل شباب التحريراليوم ارفض الظلم والاجرام واللصوصية والمطالبة
بالحريات علي كافة المستويات المشروعة ورفض اجرام السلطة و النظام الحاكم
ورفض الخيانة للشعب والوطن وتغليب المصلحة الفردية علي المصلحة العامة هي
هي نفس افكار الجيل الحديث، لكن الفرق بيني و بينهم انه كان لديهم الفيسبوك
فحماهم الشعب ووقف الي جوارهم وتكاتف معهم اثناء المواجهة اما نحن الجيل
الثائر القديم لم يكن هناك من يقف معنا و يحمينا فتم القبض علينا ولم يسمع
عنا احد في ظل التعتيم المتعمد من الاعلام الحكومي .
●ألوان من العذاب لا يتحملها بشر:
تعرض المغربي لعمليات تعذيب ممهنجه، ففي مطلع عام 1994 تم نقله الي معتقل الوادي الجديد، وحبس في دوره مياه غير مستخدمه لمده 4 اشهر.
•وعن تلك الفترة من حياته يقول :
جميع أنواع الإجرام التى تتخيلها والتى لا تتخيلها كانت تمارس ضدي ،بسبب وبدون سبب ومعاناة 30 عاما فى السجون لا يكفي ساعات لسردها،
اقسم
المغربي، ان الحشرات نفسها كانت تتوقف عند الباب، وكان يُلقَي له الطعام
كما يلقي للدواب، وعندما نصحه احد السجناء بان يضرب عن الطعام حتي يتم عرضه
علي طبيب السجن الذي اوصي اداره السجن نقله لمكان جديد التهويه، وقتها
اعتبر مامور السجن هذه التوصيه تدخلاً في عمله، فما كان منه الا ان امر
بجمع السجناء، واقسم ان يكسر علي قدميه "4 خرزانات" ليجعل منه "عبره لمن
يعتبر".
وأكد
ان كثير من الشخصيات التي عرفها في السجون لقيت مصرعها، سواء بسبب عمليات
التعذيب، او عن طريق الامراض التي داهمتهم، فقد لقي 9من زملائه مصرعهم في
سجن "ابو زعبل" سنه 1998، وكان نصيب 14اخرين العجز عن الحركه.
وعلى
الرغم من مشاركة المغربي عام 2008في مراجعات الجهاد ويعتبر من اوائل من
وقع عليها بعد بيان من القيادي الاسلامي المتواجد في المانيا اسامه صديق
ايوب من بني سويف واقرتها مجموعات جهاديه كثيره من عين شمس وامبابه وشبرا و
كرداسه.
إلا
انه بعدها بأشهر قليله نقلته مباحث "امن الدوله" الي سجن ابي زعبل حيث تم
ضبط تليفون محمول، وتم اعتقال نجليه محمد وعمار، وزوجته عزيزه عباس،
ومعاملتهم معامله سيئه للغايه في السجون، وتم نسيان التوقيع علي مبادره وقف
العنف وتخليه عن فكره التنظيمات، وكان مثار سخريه من قيادات الجهاد
المتشدده عليه في كل الاماكن بالكلمه التاليه: "عملتلهم مراجعه فرجعوك تاني
لينا".
●استشهاد ابنه الاكبر في أحداث رمسيس
استشهد
محمد المغربي ابن نبيل المغربي ، والذي كان متزوجا ولديه طفلين عمار عامين
ونصف وعبد الرحمن 4 سنوات ،حينما كان موجوداً في ميدان رمسيس 17 أغسطس
2013 ، وقص تفاصيل مقتله أخيه عمار المغربي حيث قال إصيب أحد المتظاهرين في
قدمه فهرول إليه محمد ليحاول إنقاذه فأصيب علي الفور بطلق ناري في ظهره ،
نطق الشهادتين وانتقلت روحه فورا لبارئها
الشهيد :محمد نبيل المغربي
●الإعتقال مرة ثانية على أيدي قوات الإنقلاب
لم تتوقف مأساة نبيل المغربي ،عند ضياع عمره داخل سجون مبارك ، أو تحمله لعذابات تفوق طاقة البشر،
بل أراد " السيسي " أن يشارك ببصمته ايضا في مأساته ، فبعد إستشهاد نجله وفلذة كبده على أيدي قوات أمن الإنقلاب
،
تم إعتقال المغربي مرة ثانية في نوفمبر 2013 بتهمة التورط في محاولة
اغتيال اللواء "محمد إبراهيم" وزير الداخلية الاسبق والشهير بسفاح الداخلية
،في والتي حدثت في شهر سبتمبر من نفس العام.
حيث
قالت مصادر أمنية، إنه تم القبض على المغربي، لعلاقته بضابط الجيش السابق
الرائد "وليد بدر" الذى فجر نفسه في الخامس من سبتمبر في المحاولة الفاشلة
لاغتيال وزير الداخلية، وهو اتهام مرسل ، لا تملك عليه داخلية الإنقلاب أي
دليل،
ووصفه مراقبون بالإعتقال التعسفي الذي شمل كل ابناء التيارات الإسلامية بعد الإنقلاب.
نبيل المغربي وهو في إحدى جلسات محاكمته ،وهو لا يقوى على الوقوف
وقد
نفى مجدي سالم، المستشار القانوني لـ "الحزب الإسلامي"، الذراع السياسية
لـ "جماعة الجهاد"، تورط المغربي في الهجوم، قائلاً إن "الوضع الصحي
المتردي له لا يسمح له بالوقوف وراء هذا الأعمال".
●السرطان ؛ فصل جديد من فصول مأساة حياة المغربي.
لم تنته مأساة المغربي عند هذا الحد ،
ففي
20 مايو 2015 تم نقله من السجن إلى مستشفى المنيل لإصابته بالسرطان، كما
تم تعيين حراسة مشددة على المغربي داخل مستشفى المنيل؛ لحين تماثله للشفاء
وإعادته مرة أخرى إلى محبسه.
إلا أن رحمة الله قد تغمدته ، وانتقل إلى دار الحق والعدل،
توفي الشيخ المجاهد بالأمس الخميس الموافق 4 يونيو ،وانتهت بذلك أقسى رحلة حياة لمصري ثائر مع ظلم وطغيان الحكم العسكري في مصر.
رحمة الله ورضوانه عليه.

تعليقات
إرسال تعليق